الأحد، 18 يناير 2026

 هل نحن نجيد المشي ؟!


ربما


يبدوا العنوان غريبا لكن مع نهاية الموضوع سنفهم الفكرة ...


في دارجتنا الجزائرية نطلق على البطئ في العمل أو عدم التسرع في إبداء التصرف لفظة "بلعقل" أي "بالعقل" ، كما نطلق على فعل السرعة في الإنجاز أو التصرف لفظ "بالغصبة" ... كلا المصطلحان متعاكسان في المعنى و كذلك هذا التعاكس يرشدك إلى معنى موضوعي هو أن بطئك في أفعالك دائما مايجعل عقلك يركز (ولذلك نقول لفظة "بالعقل" ) ، أما سرعتك في التصرف و إنفعالك السريع دائما مايجعلك تغتصب الأشياء دون حكمة ( و لذلك نقول لفظة بالغصبة) .


من أمثلة هذا المعنى عندما نكون نمشي " لماذا نسرع ؟ " 

إطرح على نفسك هذا السؤال دائما ... غالبا عندما نخرج من بيوتنا صباحا ننسى أشياءا في البيت أو ربما ننسى أن نمر على مشوار مهم أثناء الطريق و السبب دائما هو "السرعة" في الخروج و المشي السريع ... حركة العقل مرتبطة دائما بالتفكير المتمعن و العميق فلذلك عندما تبرمج عقلك على السرعة الحركية في المشي و اتخاذ القرارات ستجده هو كذلك أيضا يفقد حكمته في التفكير و يعطيك نتائج عشوائية تجعلك كثير النسيان و قليل النجاح .


هناك من يقول أن مثال المشي هو موضوع تافه ... لكن أنا أصب لجام تفكيري على التصرفات البسيطة لأنها البداية أو القاعدة التي تصنع الشخص و بالمقابل تصنع المجتمع و طريقة المشي جزء من صناعة الشخص و المجتمع عموما .


 لو نأخذ مثال الولد الصغير فإنه لا يمكنه أن يكتشف الأشياء التي حوله و يتعلم أولى مهارات الحياة في السمع و المسك و التذوق و الأكل و النطق لو خلقه الله منذ خروجه من بطن أمه يجري مسرعا ! ، بل يحتاج أولا أن يتعلم كيف يرقد و يثبت يديه و رجليه بتلقائية دون تحريكها ، ثم يتعلم القعود ، ثم يحبي ، ثم يتعلم المشي البطيئ ..و خلال هذه الفترة التي تستغرق عامين تتجلى في أن سكونه ذاك قبل أن يتعلم المشي و التنقل بين الأماكن تجعله منصتا لما حوله و مبصرا لكافة مايقوم به الأناس من حوله ، و بالمقابل لو خلقه الله من أسبوعه الأول يمشي و يجري سيقتل نفسه لأنه لن يتمكن من ملاحظة الأشخاص و الأشياء التي تدور حوله و ربما يضع يده في النار أو يبتلع غير ما يأكله البشر أو يسقط من مكان عالي ، و بالمقابل فإنه خلال هذه المرحلة حتى ال4 سنوات يصبح يتكبم رؤوس أقلام من الكلام الذي يتحاور به من حوله ، فلو لم يخلقه الله ثابتا غير مسرع و متحرك فإنه لا يمكنه النطق جيدا لأنه لن يصبر على القعود مع الناس ليسمع لغة تواصلهم فيتواصل بلغتهم .


لو نعود لموضوعنا كأناس كبار ، ربما السرعة في المشي اليوم مرتبطة بنظامنا المعيشي الذي سيطرت عليه منتجات الثورة الصناعية بأجيالها ، فوصولنا لأدوات تسرع علينا قضاء الحاجات جعلتنا ننجز أمورنا سريعا لكنها بالمقابل منعت علينا الحكمة في التعامل مع الأشياء ، لم نصبح نلاحظ ما مرينا به في الشارع قبل وصولنا لديارنا ، و لم ننتبه لأشكال بيوتنا معماريا ، و لم نستطع أن نتخيل إستماعنا بسماع صوت العصافير صباحا و لا رؤية الأشجار البهية أثناء المشي ، نفقد طل ما يمكنه أن يشعرنا بأبصارنا و أسماعنا ، تجد الشخص مهرول و مسرع و خطواته السريعة لا تسمع منها إلا دبيبها .


هل يمكننا أن نقتصد في مشينا و لا نسرع كي لا نتسرع في الحكم على الأشياء ، إكتسابنا للحكمة يبدأ من حركاتنا و يسيطر على أفعالنا و ردات أفعالنا ... فلتمشي بالراحة و بالعقل و مهما حدث ستصل للوجهة التي تريدها ، و إن فشلت هذه المرة و وجدت الوقت ضيقا المرة القادمة إستيقظ باكرا و لا تجعل الوقت يتحكم بك بل أنت من تتحكم به .


دائما ما كنت أتساءل ما الحكمة التي يريدها القرآن من تعرضه لمسألة المشي : [ و اقصد في مشيك ] سورة لقمان .

أنا لا ألزم أحدا بأن يأخذ بتفسيري للآية القرآنية التي تذكر المشي إذا رءاها مخالفة لما تم تفسيرها به ، لكن من منظوري الخاص حتى و إن تنافى مع باقي التفسيرات إلى أنه يبقى منظوري الخاص و لستَ مجبرا كمستمع بالأخذ به حتى و إن تنافى مع التفسير اللساني المتوارث .. فإن أقنعك خذ به و إن لم يقنعك خذ بباقي التفسيرات ... القصد في المشي حسب رأيي هو الإقتصاد في المشي بمعنى لا تجهد نفسك في المشي أي لا تسرع .. و هذه قاعدة ثابتة في الإنسان تبدأ من واقعه اليومي لتجعله يتحكم سيره خلال هذه الحياة كي لا يكون عجولا ، لأن الإنسان خلق عجولا و يجب عليه أن يتحكم في هذا و لا يعجل ... و طريقة مشيه المتأنية تجعل تفكيره متأنيا سليما .


سأختم بمثال السلحفاة التي أعتبرها آية ... في لهجتنا نسميها "الفكرون" ؟! ... من خلال تساؤلي عن معنى هذا الإسم لم أجد له إلا حلا واحدا و هو أنه له علاقة بالتفكير ( فكرون = فكر ) أي أن السلحفاة حيوان مفكر .. و هذا راجع لصفاته التي خلقت فيه ، فلو تدبرنا لوجدنا أنه حيوان يمشي ببطئ و هذا ماذكرناه لعلاقة عدم السرعة بالإستخدام الجيد للعقل ، الشيئ الثاني المرشد لعلاقته بالتفكير هو شكل قوقعته التي حالما تراها ستتذكر جمجمة الرأس القوية و الجمجمة هي بيت التفكير ، أما الأمر الثالث فهو رأسه الذي يشبه إصبع القدم الصغير و كذلك أرجله الأربع التي تشبه الأصابع مشكلا شكل 5 أصابع يخرجها من قوقعته عندما يريد المشي و الحكمة من هذا هو إشارة و تدليل هذا الحيوان لعلاقة إستخدام الأرجل التي نمشي بها بالتفكير ... قوة تفكير هذا الحيوان تتجلى في أنه عرف بذكاءه كيف يحافظ على أهم شيئ في المخلوق ، حفاظه على صحته فهو بحجمه الصغير يعيش أكثر من أقرانه من الحيونات الذي يساونه في الحجم فهو يعيش أكثر من ثلاث عقود فيما السلاحف الكبيرة في الحجم تعيش من قرن إلى قرنين ... و بالتالي فالحكمة من السلحفاة هو إشارتها لنا بأن قوة تفكيرنا تتجلى في تمهلنا في المشي .


تمهل في مشيك .. لا تسرع كي يشتغل تفكيرك جيدا .. وحاول عند ممارسة المشي كرياضة أن تمشي ببطئ و بتأني و ستجد بالتجربة أن تفكيرك يشتغل وقت مشيك المتأني و ستحل حتى مشاكلك .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق